الرئيسية / تقارير / مليشيات اليمن واقتصاد تمويل الحرب: خطف وسرقات وسوق سوداء
يبيع الحوثيون السلاح لخصومهم أيضاً (عبد الرحمن عبدالله-فرانس برس)

مليشيات اليمن واقتصاد تمويل الحرب: خطف وسرقات وسوق سوداء

كلما ازداد تضييق الخناق على مليشيات الحوثيين والرئيس المخلوع علي عبدالله صالح، في اليمن، من خلال حصارها عسكرياً ومادياً، تلجأ إلى خيارات عدة لتغطية نفقات عملياتها وحربها. تكاد هذه الخيارات تكون مؤلمة وقاسية على المواطن، وفق البعض، وتشلّ الحركة العامة، لا سيما أن خسائرها المالية كبيرة، لذلك ولتغطية هذه النفقات، باتت المليشيات تبحث عن مصادر دخل. وقد حاولت “العربي الجديد” تقصّي جزء كبير من هذه الإجراءات.
بدأت مليشيات الحوثيين والرئيس المخلوع، خطواتها في كسب التمويل، عبر استلطاف مواطني بعض محافظات الشمال ببعض الخدمات، ففي الوقت الذي تدير فيه المليشيات السوق السوداء، في الوقود والغاز وبعض المواد الغذائية، فإنها تحاول أيضاً استرضاء المواطن ببعض الدفعات من هذه الخدمات بأسعار منخفضة، أقلّ من تلك التي في المناطق المحررة، لكنها سرعان ما تعمل على تأزيم الوضع لتشغيل السوق السوداء، التي تشرف عليها لتغطية نفقاتها العسكرية.

ومع أنها تحاول كسب ودّ المواطن في الشمال، وتهدف منه لمساعدتها على الأقلّ، لبسط سيطرتها على الشمال، بشراء ولاءات، إلا أنها فشلت. ومع ذلك تسعى المليشيات إلى تحويل كل شيء لسوق سوداء، بما في ذلك الخدمات الحكومية لتباع في السوق السوداء. كما هو الحال مثلاً في الحصول على جواز السفر، ففي الوقت الذي كان المبلغ المطلوب لاستخراج جواز يساوي 24 دولاراً، فقد أصبح يعادل الآن 500 دولار، ويتمّ الحصول عليه عن طريق أشخاص محددين من الحوثيين، وفقاً لما أفاد العديد من الأشخاص، الذين استخرجوا جوازات سفر، لـ”العربي الجديد”.

ليس هذا فحسب، بل تلجأ المليشيات إلى اختطاف الناس واعتقالهم من خلال تلفيق تهم لهم، خصوصاً عندما تعلم بأن أسرة المُختطف أو المُعتقل، أو أقرباءٍ له أو أهل قريته أو المنطقة والحي من الميسورين مادياً، أو الشخص نفسه. وتبدأ معها عمليات الابتزاز المالي، بعد أن تُبلّغ أسرته بطريقة ما أو تجعل الشخص يُبلّغ أحدا من أسرته أو معارفه بموضوع اختطافه. كما تقوم المليشيات بإبلاغ سماسرة تكون قد زرعتهم من قبل، وهم من يبلغونها بإمكانيات كل شخص المادية وإمكانية الحصول على مبالغ من وراء اعتقاله. يحصل السمسار في عملية الخطف او الاعتقال على نسبة من المبالغ من المليشيات، إضافة إلى نسبة من الأهالي.

وتتم عملية الافراج ببطء شديد، فمع بدء الحديث والتواصل مع مسؤولين وقيادات من المليشيات، تبدأ عملية الإجراءات، ومع كل إجراء يدفع ذوو المختطف او المعتقل مبلغاً من المال، لمعرفة ما إذا كان حياً أو ميتاً، كما يدفعون أكثر في حال أرادوا التواصل معه، ومبلغاً آخر لمقابلته، إلى أن يحين وقت الإفراج عنه. وفي عمليات الاختطاف أو الاعتقال، لكل شخص قيمته “المادية”، التي تكون أحياناً مرتبطة بقدرة أسرته أو أقربائه المالية، وأحياناً قد يصل إلى عدم الإفراج عن البعض، إلا بصفقه تبادل أسرى، على الرغم من أن أولياءه يكونون قد دفعوا مبالغ طائلة. وتجني المليشيات أكثر من 10 آلاف دولار في كل عملية اختطاف أو اعتقال.

وتعمل المليشيات على كسبِ إيراداتها، عبر إجبار كل التجار في المناطق الخاضعة لها، على دفع مبالغ باهظة، تصل أحياناً إلى حدّ اختطافهم، كما حدث مع تجار مدينة دمت، شمال الضالع، الذين نقلتهم إلى مدينة ذمار، مركز قيادة المليشيات، حيث تتواجد أبرز قياداتهم، وهناك تم إجبارهم على دفع مبالغ كبيرة. وبسبب عمليات المعاملات والمتابعات حول المختطفين أو المعتقلين، نشأت سوق السماسرة، الذين يناصر معظمهم المليشيات.
كما تلجأ المليشيات إلى استخدام شركات الاتصالات المحمولة لتوجيه رسائل، طالبة من المواطنين دعم ما تُسمّيه “المجهود الحربي”، بالإضافة إلى رفع رسوم الاتصالات والإنترنت والتلاعب بباقات الإنترنت تقنياً. وتعمل المليشيات في هذا الصدد، عبر الإسراع في تكملة رصيد المشتركين، وتسريعه في الثلث الأول من الشهر، وإضعافه في الثلثين الأخيرين، منه وفق مصادر في المؤسسة العامة للاتصالات.

ومع أن إيرادات الدولة تُجبى أيضاً من مختلف المناطق، بما فيها المناطق المحررة، إلا أنها لا تزال تصل إلى صنعاء، ومن المفترض أن تقوم المليشيات بصرفها، وفق التزامات الدولة، إلا أن المليشيات تدفع رواتب بعض موظفي الدولة، وترفض الدفع للبعض الآخر. لا بل إن موظفي الدولة لا يسلمون من إجراءات المليشيات، من خلال استقطاع مبالغٍ بحجّة “دعم المجهود الحربي”، وتُستغلّ الرواتب أحياناً لتهديد الموظفين، في حال عُرفوا بتأييدهم الشرعية والتحالف. كما استقطعت المليشيات مبالغ عائدة للمرافق الحكومية، خصوصاً المناطق المحررة، من أجل تغطية نفقاتها لـ”المجهود الحربي”.

كما تقوم المليشيات باستغلال البعض، بمن فيهم الجنود الذين حاولوا الوقوف على الحياد، لكن الفقر دفعهم للبحث عن رواتبهم، فتستغلّهم المليشيات للعمل معها، كما حدث مع جنود من لحج وإب وتعز والحديدة وشبوة، ومختلف المحافظات الشمالية والجنوبية. وما يزيد من قدرة المليشيات على الإمساك بالجنود، هو فشل الحكومة في التواصل مع الجنود الذين رفضوا الانقلاب، وغادروا وحداتهم وشارك بعضهم في القتال مع “المقاومة” في مناطقهم.