الرئيسية / كتابات / غياب نجم السياسية الدكتور عبد الكريم الإرياني
عبدالباري طاهر

غياب نجم السياسية الدكتور عبد الكريم الإرياني

عبد الكريم الإرياني واحد من أهم مثقفي ومفكري الحياة السياسية العربية. كوكب من الكواكب السيارة العربية، بل أحد شموسها الأكثر توهجا وحضورا يزيد عن نصف قرن. فهو ابن مدرسة القضاء.. أسرة تمتد جذورها وعروقها في التربة اليمنية سواء في المنحى الفقهي الزيدي – الشافعي، أو علم كلامها: الأشعري المعتزلي . للأسرة حسب ونسب في زبيد، ولها جذور في الفقه الزيدي وعلم الكلام المعتزلي. وعبد الكريم درس في السن الباكرة هذا الإرث المعرفي في البيئة اليمنية، ورحل باكرا مع شقيقه المتعدد المواهب الشاعر والأديب واللغوي الأثري والمؤرخ مطهر على الإرياني – مد الله في عمره- .  رحل الصنوان معا صوب عدن في منتصف القرن الماضي ومنها إلى مصر ليلتحقا بالعلم والتعليم الحديث المحرومة منه المتوكلية اليمنية .

انغمس عبد الكريم في النشاط السياسي والنقابي، وكان أول طالب ينتمي لحركة القوميين العرب، بينما كان محسن العيني أول طالب ينتمي لحزب البعث العربي الاشتراكي في القاهرة. وفي حين عكف مطهر على دراسة التاريخ والآثار وخط المسند لدى أستاذه فيض الله الهمداني الأستاذ في أكثر من جامعة في الهند وألمانيا ومصر والذي كان يجيد العديد من اللغات الحية والقديمة . أما صنوه عبد الكريم المثقف العضوي فقد جمع الدراسة والعمل السياسي والنقابي .

يشير الدكتور أحمد القصير عالم الاجتماع المصري والباحث اليساري  في كتابه (التحديث في اليمن والتداخل بين الدولة والقبلية):  ” أنه في منتصف عام 1956 عمل الطلاب  – يقصد اليمنيين طبعا – على بلورة تجربتهم وتصوراتهم حول قضايا المجتمع اليمني في ضوء التطورات العربية من جانب، وفي ضوء التجارب السابقة لحركة الأحرار اليمنيين والاتحاد اليمني ورابطة أبناء الجنوب من جانب آخر. وفي إطار تلك العملية انعقد في منتصف شهر يوليو 1956 اجتماع تمهيدي لعدد من الطلاب اليمنيين في منزل محمد جباري بالدقي، وكلف الحاضرون لجنة ضمت كلا من أبوبكر السقاف وعبد الكريم الإرياني ومحمد عبد الوهاب جباري بالعمل على تنظيم عقد اجتماع عام للطلاب اليمنيين بالقاهرة لمناقشة الأوضاع  السياسية في كل من الشمال والجنوب. كان السقاف ينتمي إلى اليسار الماركسي، بينما كان الإرياني آنذاك ينتمي إلى حركة القوميين العرب لكن سرعان ما انفصل عنهم”. (التحديث في اليمن، ص84).

واصل عبد الكريم مشواره فعمل ودرس في أمريكا بعد مصر لتحضير رسالته للدكتوراه، ورغم التخصص النادر في علم الهندسة الوراثية إلا أنه بقى على تواصل دائب ومستمر مع الحياة الفكرية والتطورات السياسية .

عمل الدكتور لفترة في هيئة تطوير تهامة (مجال تخصصه: الزراعة)، ثم عين لفترة قصيرة في وزارة التربية والتعليم، فتشن عليه حملات قاسية من قبل الإسلام السياسي الحريص على تحزيب التعليم وأدلجة المناهج والسيطرة الكلية على التعليم لصالح المناهج السلفية الآتية من العربية السعودية ( الجامعة الإسلامية)، وإلغاء وإضعاف الجوانب الرياضية والعلمية لصالح المعتقدات السلفية، وتجريم وتحريم التربية الوطنية والفنية، وحظر النشاط الإبداعي في الفن أو التمثيل والمساواة.

عمل في أكثر من موقع في الجهاز المركزي للتخطيط، ثم في التربية والتعليم، وصندوق التنمية الكويتي، وفي الخارجية ورئاسة الوزارء أكثر من مرة وعلى مدى ما يقرب من نصف قرن. كان حضوره الدائم فاعلا ومؤثرا؛ فهو أحد قادة الرأي والسياسة البارع في السياسة اليمنية والعربية وعالميا، إنه قامة كبيرة من قامات العصر .

لا يضارع عمق معرفته وذكائه إلا شدة بساطته وتواضعه. محب للمعرفة، عاشق للاطلاع، يتتبع بعمق وذكاء مجريات الأحداث في في وطنه العربي والعالم. لم يقطع صلته بروافد المعرفة والثقافة .يدهشك بسعة اطلاعه ونباهته وذكاء تعليقاته وسرعة البداهة .

في اعتقادي أن إقصاء صالح لرجال من  أمثال الفقيد الإرياني وحسن مكي والعطار والفقيد الكبير عبد العزيز عبد الغني وحسين الحبيشي والانحياز الكلي للقبيلة والعشيرة سبب من أسباب سقوط حكم صالح .

لا شك أن السلطة كل السلطة برموزها ونهجها وسياساتها كانت قد شاخت ووصلت إلى طريق مسدود وأصبح سقوطها لا زبا إلا أن إبعاد رموز كالإرياني والعطار ومكي قد عجل بالسقوط والآتي حتما .

الدكتور عبد الكريم عالم موسوعي، متعدد المواهب، شديد العناية والاهتمام بالحياة الفكرية، وعنايته الفائقة بالمعرفة والعلم والتاريخ هو ما أثرى تفكيره السياسي، وعمق رؤيته لكل جديد في الحياة .

في آخر لقاء معه قبل مغادرة الوطن قال لي: لقد تقاسمت أمراض الشيخوخة مع مطهر؛ فقد ضعف بصري وضعف سمعه .

فهم الإرياني السياسة كثمرة ناضجة للثقافة والمعرفة وكانت تعليقاته ذات دلالات عميقة وقوية .

غمزه بعضهم في صحيفة الثوري حين كنت رئيسا لتحريرها. شعرت بالخجل من الإساءة إليه بتلك الطريقة. كنت أعرف صدق المودة بينه وبين العزيز على محسن حميد. تواعدنا على زيارة الدكتور والاعتذار، وعند أن بدأ العزيز على محسن لمفاتحته في الأمر قال له: لا تكمل فأنا أعرف أن عبد الباري لا علاقة له بذلك. وكان صادقا .

لا نزال نتذكر تعليقه على محاولة قتل الشهيد الحي حسن مكي واسترضائه بذبح ثور ” الهجر” في العرف القبلي : ذبحت الدولة يوم ذبح الثور.

تعرض لحملة شعواء من إعلام صالح؛ فكان رده: “إنها مكافأة نهاية الخدمة”. إشكالية العلاقة بين الحكم والمثقف في اليمن وفي الإسلام لا بد أن تدرس لا من الزاوية التي وقف عندها جلال الدين السيوطي في كتابه تحريم الاتصال بالسلاطين بعد أن نكل به المماليك ورد الشوكاني عليه برفع الأساطين في جواز الاتصال بالسلاطين أو كتاب وعاظ السلاطين للوردي، وإنما مواصلة البحث في تجاربنا الموضوعية وعلاقة الأحزاب الحديثة ورموزها في مصر وسوريا والعراق واليمن والمغرب العربي والسودان، وهي تجارب فاجعة حقا وضحاياها كثر.

 بادر العزيزان السفيران على محسن حميد ومروان نعمان بتبني تأسيس جمعية أصدقاء الإرياني، وهي تحية طيبة ولفتة وفاء لعالم وأديب ومثقف قدم الكثير لأمته وشعبه؛ فرحم الله عالم ومفكر السياسية باليمن.